د. يحيى سعد فرحات – دكتوراه في التربية السياسية
مقدمة
يمثل سعي الإدارة الأمريكية مؤخراً إلى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين جماعةً إرهابية تحولًا لافتًا في المقاربة الغربية تجاه الحركات الإسلامية وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين؛ إذ ينقل الجماعة من خانة الحركات القابلة للتعايش السلمي والمشاركة السياسة إلى خانة التهديد الأيديولوجي، بما يعني ذلك توسيع مفهوم الإرهاب ليشمل الفكر الإسلامي الفاعل حتى ولو لم يتبن منهجاً عنيفاً داخل بلدانه وخارجها.
ويأتي هذا التوجه في سياق إقليمي ودولي اتسم بتغليب المنطق الأمني عقب تعثر مسارات التحول الديمقراطي بعد موجات الربيع العربي، وبضغط من حلفاء إقليميين يرون في الإخوان فاعلًا مجتمعيًا منافسًا لبنية الدولة السلطوية. ورغم الدعم الأمريكي والغربي غير المحدود لإسرائيل – على المستوى الرسمي - فإن الربط بين جماعة الإخوان وحركة حماس بعد طوفان الأقصى (أكتوبر 2023) أعاد تعريف "التهديد" في المخيال الإسرائيلي ليشمل البنى الإسلامية المنظمة ذات الامتداد الشعبي؛ فبدأت إسرائيل بالدفع نحو تجفيف ما يُنظر إليه بوصفه البيئة الفكرية للمقاومة الفلسطينية.
وتكمن خطورة هذا القرار في دلالاته الرمزية والسياسية - حتى في حال تعثره قانونيًا- إذ يمنح غطاءً دوليًا لتجريم الحركات الإسلامية المجتمعية، ويعيد تأطير الصراع السياسي في عدد من الدول العربية - وفي مقدمتها مصر - باعتباره ملفًا أمنيًا لا مجالًا للتعددية السياسية، ويوفّر غطاءً دوليًا لإعادة شرعنة سياسات الإقصاء التي مورست ضد الجماعة منذ 2013. كما يطرح تساؤلات جوهرية حول مآلات إقصاء الفاعلين في المجتمع، وما إذا كان ذلك يقود إلى الاستقرار أم إلى إعادة إنتاج التوتر والتدين خارج الأطر المؤسسية.
ومن ثمّ، فإن قراءة هذا القرار لا تنفصل عن أثره في إعادة هندسة المجال العام العربي والإسلامي لصالح السياسات الأمريكية في المنطقة، وإطلاق يد الحلفاء الإقليميين في محاصرة أنشطة الجماعة وغل يدها عن دعم نضال الشعب الفلسطيني المقاوم للاحتلال، ولا عن انعكاساته الاجتماعية والأخلاقية والسياسية في مصر مرحلة ما بعد 2013، حيث يتزامن مع غياب جماعة الإخوان المسلمين عن المشهد العام؛ الرسمي والمجتمعي وما ترتب عليه من تحولات عميقة في بنية السياسة والمجتمع.
لذا ستتناول هذه الورقة؛ جماعة الإخوان المسلمين في مصر: النشأة، والفكر، والأثر المجتمعي، وتحولات الغياب من خلال قراءة اجتماعية، أخلاقية، وسياسية؛ في ضوء إقصاء الفاعل السياسي في الفترة (2025 –2013).
جماعة الإخوان المسلمين ( دواعي النشأة والتأسيس)
تأسست جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928م على يد مؤسسها الإمام حسن البنا، في ظروف سياقين تاريخيين: الأول: سياق عالمي وإقليمي. والثاني: سياق محلي مصري.
أولاً السياق العالمي والإقليمي
جاءت نشأة الجماعة على إثر تفكك الخلافة العثمانية وانهيارها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وغياب الراية الجامعة للمسلمين، وما صاحب ذلك من تهديدات خطيرة لحاضر الأمة الإسلامية ومستقبلها، حيث تزامن ذلك مع الهجمة الاستعمارية المنظمة على بلاد المسلمين في الشرق، إذ شهد العالم الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أعنف موجات التغلغل الاستعماري الأوروبي؛ في ظل التفوق العسكري والتقني الأوروبي، والتحول الرأسمالي والصناعي في الغرب، وسباق القوى الكبرى على النفوذ والأسواق والمواد الخام. حيث طال الاحتلال البريطاني مصر، والسودان، العراق، والهند، فضلاً عن الهيمنة الناعمة غير المباشرة على مناطق عدة في الساحل الجنوبي للخليج العربي مما أضعف سيادة تلك المناطق وأخضعها للنفوذ البريطاني عبر المعاهدات أو الحماية أو التحكم في الملاحة والقرار الخارجي. كما طال الاحتلال الفرنسي الجزائر، وتونس، والمغرب، وسوريا، ولبنان. واحتلت إيطاليا ليبيا، كم احتلت هولندا: إندونيسيا، واحتلت روسيا القيصرية: آسيا الوسطى والقوقاز. ويمكن القول: إن التقاسم الاستعماري كان منظّمًا ومُتفقًا عليه بين القوى الكبرى، لا عشوائيًا.
وقد صاحب تلك الموجة الاستعمارية غزو فكري وثقافي تمثل في العمل على فرض نموذج التعليم الغربي، وتهميش الشريعة واللغة العربية، والترويج لفكرة "التحديث" بمعزل عن الهوية الإسلامية، وصناعة نخب منقطعة عن مجتمعها. كما تمثل في ضرب البنية الاجتماعية والدينية، وإضعاف المؤسسات الدينية، والتحكم في الأوقاف، وتشويه المرجعيات الإسلامية، ودعم تيارات موالية للاستعمار. كل ذلك فضلاً عن الأهداف الاستراتيجية للاستعمار المتمثلة في: السيطرة على الثروات والطرق التجارية، وتحييد الإسلام كقوة جامعة ومحرِّكة، ومنع قيام وحدة سياسية للمسلمين، خاصة بعد اتفاقية (سايكس-بيكو) والتي أُبرمت عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا وبموافقة روسيا القيصرية لاحقًا، لتقسيم المشرق العربي بعد انهيار الدولة العثمانية. ثم بدأ العمل الفعلي لزرع كيان صهيوني في قلب المنطقة لضمان التفكيك الدائم، والذي مثله وعد بلفور عام 1917م، حيث تعهّدت فيه بريطانيا بـإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
ثانياً: السياق المحلي المصري
انعكست تلك التغيرات العالمية والإقليمية على الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمتها مصر ذات الثقل الحضاري والشعبي والسياسي، فقد ارتبط الواقع المحلي المصري في تلك الفترة بذلك الواقع العالمي الجديد؛ دينياً، وأخلاقياً، وسياسياً.
فعلى الصعيد الديني: سادت حالة من ضعف التدين الشعبي؛ فرغم بقاء التدين حاضرًا في وجدان المجتمع المصري، إلا أنه كان - في غالبه - تديناً شكلياً وتقليديًا، يركز على الشعائر دون ربطها بالإصلاح الاجتماعي أو السياسي. وقد كان لتراجع دور الأزهر - في ذلك الوقت - دور محوري في تلك الحالة، فقد كان الأزهر يعاني من الجمود وضعف التأثير في مواجهة التحديات الحديثة، خاصة مع تصاعد النفوذ الثقافي الغربي، وكان من تداعيات ذلك انتشار التغريب والتبشير، إذ شهدت مصر نشاطًا تبشيريًا نصرانياً وغربيًا، خاصة مع تواجد مدارس أجنبية، ما أثار مخاوف حول الهوية الإسلامية في ظل غياب مشروع إسلامي شامل يربط بين الدين والحياة العامة بشكل عملي ومنظم.
وعلى الصعيد الأخلاقي والاجتماعي: فقد تأثرت الطبقة الحضرية بالقيم الغربية، وانتشرت أنماط الحياة الغربية التي انعكست على أنماط السلوك والعلاقات الأسرية، وشاعت مظاهر الانحلال الأخلاقي خاصة في المدن الكبرى كالقاهرة والاسكندرية، وتغيرت أنماط العلاقات الأسرية. وكان من مظاهر ذلك الانحلال الأخلاقي انتشار الخمور واستهلاكها علناً ، وكثرة الحانات والنوادي الليلية دون مراقبة قانونية، بل وصل الأمر إلى أن كانت بيوت الدعارة مرخّصة رسميًا وتخضع لتنظيم إداري في مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى أواخر الأربعينيات، وهو وضع أثار اعتراضات دينية وأخلاقية واسعة في المجتمع المصري. وقد انتهى هذا النظام بإصدار قانون مكافحة البغاء رقم 68 لسنة 1949 الذي ألغى الترخيص الرسمي لتلك البيوت. وتشير دراسات تاريخية إلى أن الضغط الاجتماعي والدعوي الذي مارسته حركات الإصلاح الديني، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، أسهم في خلق مناخ عام رافض لتقنين الدعارة، وكان جزءًا من السياق المجتمعي والسياسي الذي مهّد لإلغائها قانونيًا (Mitchell, 1969; Fahmy, 2011; Gordon, 1992).
جاء كل ذلك في ظل اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، إذ ازدادت معاناة الأغلبية من الفلاحين والعمال، وازدياد معدلات الأمية والبطالة والفقر، مما فتح المجال أمام العمل الخيري والدعوي تعويضاً لضعف مؤسسات الرعاية الرسمية وغياب الدولة عن تقديم خدمات اجتماعية كافية.
وأما على الصعيد السياسي: فقد كانت مصر خاضعة للاحتلال البريطاني ولتحكم الإنجليز في الجيش والاقتصاد والسياسة الخارجية فعليًا رغم وجود نظام ملكي دستوري شكلي، مما أضعف السيادة الوطنية، وأثر سلباً على الحياة السياسية، تمثل في فشل الأحزاب السياسية بسبب الصراعات الداخلية، والفساد، وعدم القدرة على تحقيق الاستقلال الكامل أو العدالة الاجتماعية.
في ظلال كل تلك الظروف والملابسات تأسست جماعة الإخوان المسلمين لتعويض ذلك الضعف عبر مشروع تجديدي إصلاحي شامل يهدف إلى تأسيس مجتمع مدني غير معزول عن قيمه الإسلامية، واستعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، وإعادة الإسلام ليكون منهج حياة: عقيدة وعبادة، وطنًا وجنسية، دينًا ودولة.
المحاولات الإصلاحية قبل تأسيس جماعة الإخوان
لم تكن الساحة المصرية خالية من العمل الديني قبل تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، بل وُجدت جماعات واتجاهات دينية متعددة، لكنها كانت محدودة التأثير أو غير منظمة جماهيريًا مثل الإخوان.
أولاً: التيار الإصلاحي الفكري: يمثّل هذا التيار إحياءً روحيًا وتأسيسًا فكريًا للفكرة الإصلاحية التي التقطها الإمام حسن البنا – رحمه الله – لاحقًا، وأعاد صياغتها في مشروع إصلاحي متكامل جمع بين النظرية والتطبيق، أو بين التنظير والتنظيم (البنا، 1990). ويُعدّ جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا – رحمهم الله – أبرز أعلام هذا التيار في البيئة المصرية، بينما يُحسب عليه فكريًا - وإن لم يشاركهم السياق المصري المباشر - المفكر الإصلاحي عبد الرحمن الكواكبي، الذي أسهم بعمق في نقد الاستبداد وربط الإصلاح الديني بالنهضة السياسية (الكواكبي، 1988؛ عمارة، 2002).
وقد تمحورت دعوة هذا التيار حول الإصلاح الديني، وإحياء الاجتهاد، ومقاومة الجمود والتقليد، والسعي إلى تجاوز حالة الانحطاط الحضاري من خلال إعادة تفعيل العقل المسلم وربط الدين بالواقع (عبده، 1993؛ رضا، 1999). ورغم ما أحدثه هذا التيار من تأثير فكري عميق، ظل في معظمه نخبويًا، إذ لم ينجح في إنشاء تنظيم شعبي واسع قادر على الانتشار المجتمعي، وهو ما ميّز تجربة حسن البنا الذي نقل الفكرة الإصلاحية من إطارها الفكري إلى مشروع تنظيمي جماهيري ذي امتداد اجتماعي واسع (رمضان، 2006).
ثانيًا: المؤسسات الدينية التقليدية :ويُمثّلها الأزهر الشريف، أقدم مؤسسة دينية في مصر والعالم الإسلامي، وقد اضطلع بدور محوري في حفظ العلوم الشرعية والتعليم الديني عبر قرون طويلة. غير أن دوره في مطلع القرن العشرين ظل في معظمه تعليميًا وفقهيًا تقليديًا، بعيدًا عن العمل التنظيمي أو الحركي ذي الطابع السياسي أو الاجتماعي. كما كان الأزهر – كما سبقت الإشارة – يعاني من حالة من الجمود المؤسسي وضعف التفاعل مع قضايا الواقع الاجتماعي والسياسي في ظل بنيته التعليمية التقليدية وارتباطه المتزايد بالدولة. وعلى الرغم من عِظم مكانته وتأثيره العلمي، فإن الأزهر لم يكن جماعة إصلاحية حركية، بل مؤسسة رسمية ذات طابع تقليدي، وهو ما حدّ من قدرته على قيادة مشروع إصلاحي اجتماعي شامل في تلك المرحلة (عمارة، 1998؛ رمضان، 2006).
ثالثًا: الطرق الصوفية: حظيت الطرق الصوفية بانتشار واسع وقاعدة شعبية كبيرة في المجتمع المصري، ولا سيما في البيئات الريفية والشرائح الشعبية، حيث أدّت دورًا بارزًا في التربية الروحية وحفظ بعض أشكال التدين التقليدي. غير أن طبيعتها ووظيفتها انصبت في الغالب على الذكر والطقوس والسلوك الروحي الفردي، مع محدودية انخراطها في العمل السياسي أو في مشروعات الإصلاح الاجتماعي المنظم. وقد رأى روّاد التيار الإصلاحي أن هذا النمط من التدين، رغم حضوره الشعبي، عاجز عن مواجهة تحديات الاستعمار والانحلال الاجتماعي، كما انتقدوا ما اعتبروه ميلًا لدى بعض الطرق الصوفية إلى مهادنة السلطة أو الارتباط بها، الأمر الذي حدّ – في نظرهم – من قدرتها على أداء دور إصلاحي شامل في تلك المرحلة (عمارة، 1997؛ شلبي، 2001؛ رمضان، 2006).
رابعًا: الجمعيات الدينية والخيرية: وهي جمعيات دعوية محدودة مثل:الجمعيات الشرعية، وجمعيات تحفيظ القرآن. والتي في الغالب ما تركز على:الوعظ والعمل الخيري، وتلتزم بطاعة السلطة وبالبعد عن السياسة، ولا تمتلك مشروعاً شاملاً للدولة أو الأمة.
خامسًا: الحركات السلفية المبكرة: تمثّلت الحركات السلفية المبكرة في جماعات كان من أبرزها جماعة أنصار السنة المحمدية، التي تأسست عام 1926، أي قبل تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بعامين. وقد انصبّ اهتمام هذه الجماعات على تصحيح العقيدة، ومحاربة البدع والممارسات المخالفة للمنهج السلفي، مع تركيز واضح على الجانب الدعوي والعلمي. غير أنها اتخذت موقفًا متحفّظًا من العمل السياسي، كما لم تسعَ إلى بناء تنظيم جماهيري واسع ذي طابع حركي شامل، الأمر الذي حدّ من تأثيرها في المجالين الاجتماعي والسياسي مقارنة بالحركات التي مزجت بين الدعوة والتنظيم (عمارة، 1997؛ رمضان، 2006؛ عبد الحليم، 2004).
لماذا لم تُغنِ هذه المحاولات والجماعات عن تأسيس جماعة الإخوان؟
يمكن القول أن كل تلك الجماعات والهيئات لم تغن عن الإخوان لأنها كانت بعيدة عن السياسة ومقاومة الاستعمار، وتركز على جانب واحد دون بقية الجوانب الإصلاحية، ولا تمتلك مشروعاً إصلاحياً يستعيد مكانة الأمة التي فرقها الاستعمار وغزاها فكريا وثقافياً. بينما جاء مشروع الإخوان بمشروع: متكامل يتناسب وشمولية الإسلام: دعوي، تربوي، اجتماعي، سياسي، تنظيمي.
السمات العامة لفكر الجماعة
ترى جماعة الإخوان المسلمين أن الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعها، ويحقق التوازن بين الروح والجسد، وينظّم العلاقة بين الفرد وربه، وبين أفراد المجتمع، وبين المجتمع والحاكم، بما يحقق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. كما تنظر إلى الإسلام بوصفه عقيدة وعبادة، وشريعة ودستورًا، وخلقًا ومعاملة، ورسالة رحمة وسلام موجهة إلى الناس كافة (البنا، 1990).
الجدير بالذكر أن تلك الرؤية الشاملة لم تكن بدعة من القول أتى بها الإخوان، وإنما هي الرؤية المستقرة التي مثلت إجماع علماء الإسلام ومفكريه منذ فجر الإسلام، ولم يشذ عن ذلك الفهم سوى من تأثر في القرن الأخير بالفكر العلماني الذي صاحب الهجمة الاستعمارية على بلاد المسلمين.
منهج الجماعة في التغيير:
يعتمد الإخوان المسلمون منهجًا متدرجًا في التغيير يقوم على بناء الإنسان ثم المجتمع قبل السعي إلى تغيير الدولة، ويرتكز على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. كما يرون أن النضال الدستوري القائم على الوسائل السلمية هو الأسلم والأجدى لتحقيق الإصلاح، ولذلك يرفضون الانقلابات العسكرية، ويؤكدون احترام الإرادة الشعبية وحق الأمة في اختيار من يحكمها أو يمثلها في المجالس التشريعية والرقابية. ويشمل هذا النضال جميع الوسائل التي يكفلها الدستور، بما فيها التظاهر السلمي البعيد عن العنف والتخريب، وهو ما يفسّر مشاركة الجماعة في تظاهرات ثورة يناير باعتبارها حقًا أصيلًا للشعب في التعبير عن مطالبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ورغم ما وُجّه إلى الجماعة من اتهامات بالعنف أو الإرهاب، فإنها لم تُقِرّ رسميًا طوال تاريخها استخدام العنف، ولا تراه مشروعًا إلا في حالات الدفاع عن الوطن والسيادة أو مقاومة الاحتلال (البنا، 1990؛ رمضان، 2006).
العمل بشكل قانوني وعلني
منذ اليوم الأول لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين حرص مؤسسها الإمام حسن البنا على الوضع القانوني والعمل بشكل علني، لكن الأنظمة السياسية هي من كانت تحول دون ذلك بين الحين والآخر، فقد مرّت الجماعة في مصر بدورات متكرّرة من العمل القانوني والحظر الرسمي، وارتبط ذلك بطبيعة النظام السياسي الحاكم.
فعلى مدار عشرين عاماً من التأسيس 1928سنة حتى عام 1948عملت الجماعة كجمعية دعوية واجتماعية مشروعة ومسجلة كجمعية أهلية، وذات نشاط علني واسع؛ (دعوياً واجتماعياً وسياسيا)، وبينما تم حظرها في عام 1948على إثر تصاعد نفوذها السياسي واتهامها بتشكيل تنظيم سري مسلح خاصة بعد حرب فلسطين عام 1948 والضغط البريطاني آنذاك، إلا أنه أعيد الاعتراف بها السماح لها بالعمل القانوني في عهد حكومة الوفد عام 1951 - واستمرت حتى عام حيث تم حلها مرة أخرى عام 1954 في عهد عبد الناصر إثر اتهامه للجماعة بمحاولة اغتياله في (حادثة المنشية) وخوف النظام الجديد من منافس جماهيري منظم، ولعل هذا السبب الأخير ما دفعه لحل كافة الأحزاب السياسية وقتها. وفي عهد السادات أعيد السماح للإخوان بالعمل العلني شبه المفتوح، حيث عاد النشاط الدعوي والاجتماعي والطلابي. وأما في عهد مبارك وحتى أوائل عام 2011م فقد حرص النظام على وضع الجماعة في حالة حظر قانوني رغم وجودها الفعلي والعلني ومشاركاتها في النقابات المهنية وفي الانتخابات البرلمانية كمستقلين. أما بعد قيام ثورة يناير 2011م وانفتاح المجال العام فقد بادرت الجماعة إلى تقنين وضعها كجمعية أهلية، ثم أنشأت حزباً سياسياً رسمياً هو حزب الحرية والعدالة، والذي بلورت في برنامجه مشروعها السياسي، وشاركت من خلاله في الانتخابات البرلمانية والرئاسية بعد ثورة يناير.
ولم يغن عن الجماعة سعيها ومبادرتها للعمل بشكل علني وقانوني وبلورة مشروعها السياسي من خلال حزب سياسي رسمي فازت من خلاله في كل الاستحقاقات الانتخابية التي تلت ثورة يناير، إذ تم في يوليو 2013م الانقلاب على الرئيس المنتحب الدكتور محمد مرسي ومطاردة واعتقال عشرات الآلاف من قيادات وأعضاء الجماعة والحزب معاً بمن فيهم الرئيس مرسي - رحمه الله – ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، ثم كرس النظام الانقلابي عداوته وخصومته فقام بتصنيف الجماعة كجماعة إرهابية رغم تمسكها بالمنهج السلمي رغم كل ما أصابها، التزاماً بمنهجها المعلن، وحماية للوطن من الانزلاق إلى دوامة لا حدود لها من العنف.
جماعة الإخوان المسلمين: الأثر المجتمعي وتحولات الغياب (2013–2025)
أولاً: الأثر الاجتماعي
من منظور علم الاجتماع، فإن إقصاء فاعل اجتماعي واسع الامتداد زمنيًا لا يتم دون كلفة اجتماعية ملموسة، بغضّ النظر عن الموقف السياسي منه، إذ يؤدّي استبعاد الفاعلين المنظّمين إلى تفكك شبكات الوساطة الاجتماعية وازدياد التوتر والاحتقان. وقد تجلّى ذلك بوضوح في المجتمع المصري عقب إقصاء جماعة الإخوان المسلمين عن الفعل الاجتماعي، مع التسليم بأن هذه الآثار لا يمكن ردّها إلى عامل واحد، وأن السلطة الحاكمة تتحمل بدورها مسؤولية عوامل ومسببات أخرى أسهمت في إنتاج تلك النتائج(Tilly, 2004; Putnam, 2000;).
وقد تمثلت تلك الآثار الاجتماعية المباشرة في الفراغ الحادث في شبكات العمل الاجتماعي والخيري، حيث كان للإخوان قبل الانقلاب 2013 شبكات تكافل في القرى والأحياء الشعبية الفقيرة، وجمعيات خيرية، ومستوصفات طبية، ومدارس تعليمية، ومشروعات اقتصادية تستوعب أعداداً كبيرة من الأيدي العاملة. ولا شك أن بغياب تلك المؤسسات الفاعلة المتصلة بحياة الناس ومعاشهم تأثرت الفئات الأضعف والأكثر احتياجاً من الفقراء، والمرضى، والطلاب، وليس ذلك لأن الإخوان وحدهم هم من كانوا يقومون بهذا الدور، بل لأنهم كانوا جزءاً معتبراً من منظومة المجتمع المدني والأهلي.
وثمة آثار اجتماعية غير مباشرة ناتجة عن فقد آلاف الأسر إطارها الاجتماعي الداعم نفسياً وتربوياً، مما تسبب في أضرار وصدمات نفسية لجيل نشأ في أجواء خوف واستقطاب بسبب غياب العائل والمربي، واضطرار كثير من الأسر للنزوح الداخلي والخارجي بحثاً عن الأمان، وفراراً من الملاحقات الأمنية المتعسفة والإهانات التي لا تتوقف.
ثانياً: الأثر الأخلاقي
عند الحديث عن الأثر الأخلاقي لغياب الإخوان عن المجتمع المصري منذ 2013 لا نقصد أن الإخوان كانوا مصدر الأخلاق الوحيد فيه، ولا يفترض عصمة الإخوان ولا أن المجتمع صار فاسدًا بالكلية بغيابهم، بل ينظر إلى غياب فاعل أخلاقي-دعوي منظم كان حاضراً لعقود، وما ترتّب على هذا الغياب في المجال القيمي العام.
فما الذي يحدث أخلاقيًا عندما يُقصى تيار دعوي- اجتماعي واسع كان يعمل على الضبط القيمي والسلوك العام؟
في علم الاجتماع، يؤدّي غياب الفاعلين القيميين إلى إضعاف الضبط الاجتماعي اللين القائم على القيم المشتركة والامتثال الطوعي. ويترتب على ذلك تراجع الانضباط الذاتي داخل المجتمع، والاعتماد المتزايد على آليات الضبط القسري الرسمية بدلًا من الضبط القيمي غير المباشر (Durkheim, 1951; Putnam, 2000).
وبالنظر إلى الآثار الأخلاقية المباشرة المترتبة على غياب الإخوان قد شهدت مصر تراجعاً وانحساراً في الخطاب الأخلاقي المجتمعي، إذ كان خطاب الإخوان قبل 2013م يركّز على السلوك اليومي الملتزم بالقيم كالأمانة، والعفة، والمسؤولية ويربط بين العبادات الشعائرية والمعاملات الحياتية واليومية، كما كان خطابهم يعمل على الربط بين الدين وقضايا الشأن العام، فينهى عن الفساد ويدعو إلى الإصلاح. بينما بعد إقصائهم حل محله خطاب وعظي مرتعش يخشى من الملاحقة الأمنية، خطاب منزوع التأثير في الشأن العام والتَّماس مع المشكلات المجتمعية الجوهرية، ويمكن القول أن الإخوان شكّلوا – بحكم التنظيم والانتشار والخبرة الدعوية – نوعًا من الضبط الأخلاقي الاجتماعي، والقدوة الجماعية، والمحاسبة الداخلية غير القانونية أو الرسمية، وبغيابهم تراجعت فكرة "النموذج الأخلاقي المنظّم"، وضعف الإحساس بالمسؤولية الجماعية.
وثمّة آثار أخلاقية غير مباشرة ترتبت على تديين الخصومة وتسييس الأخلاق بعد انقلاب 2013، حيث التبس الخطاب الديني والسياسي بخطاب التخوين والإقصاء وتوفير مبررات أخلاقية لانتهاك حقوق الخصوم السياسيين. وقد وثّقت منظمات حقوق الإنسان الدولية ارتكاب انتهاكات جسيمة وممنهجة شملت القتل خارج نطاق القضاء، والحرمان من الحق في المحاكمة العادلة، والإخفاء القسري، والتعذيب، والإهمال الطبي المتعمد، وسوء المعاملة والمهانة داخل أماكن الاحتجاز، وذلك تحت ذريعة مكافحة الإرهاب (Human Rights Watch, 2014, 2019; Amnesty International, 2015, 2020)، وكل ذلك من شأنه أن يؤدي إلى التطرف الأخلاقي المتمثل في الحدّة، القطيعة، واللامبالاة، والتديّن المنكفئ، وفقدان الرغبة في الانتماء للوطن، وعدم الاهتمام بالعمل من أجل الصالح العام، ويؤول إلى فراغ قيمي من الصعب أن يُملأ بنموذج أخلاقي جامع بديل في الأجل القريب.
ثالثاً: الأثر السياسي
أدّى انقلاب يوليو 2013 في مصر، وما تبعه من إقصاء لجماعة الإخوان المسلمين من المجال العام إلى تحولات سياسية عميقة أعادت تشكيل بنية النظام السياسي وقواعد الفعل السياسي. فلم يكن الحدث مجرد تغيير سلطة، بل مثّل إغلاقًا شبه كامل للمجال العام والعمل السياسي التعددي الذي فُتح بعد ثورة يناير، خاصة مع حل حزب الحرية والعدالة وتجريم أكبر قوة سياسية منظمة شاركت في الحكم عبر الانتخابات.
سياسيًا؛ رسّخ هذا الإقصاء منطق الحسم الأمني بدل التنافس الديمقراطي، وأضعف مبدأ التداول السلمي للسلطة، حيث أصبحت الإطاحة بالخصم تتم عبر أدوات استثنائية لا عبر صناديق الاقتراع. كما أسهم في عودة الدولة السلطوية المركزية، مع تصاعد دور المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية وتغولها في إدارة الشأن العام، مقابل تراجع دور الأحزاب والبرلمان والمؤسسات التمثيلية المدنية والمتخصصة.
كما ترتّب على ذلك تجريف الحياة الحزبية وتفريغها من مضمونها، حيث بقيت أحزاب شكلية ضعيفة بلا قواعد اجتماعية حقيقية، ما أدى إلى أزمة تمثيل سياسي واسعة، خاصة لدى الشباب والطبقة الوسطى، وانعكس ذلك في العزوف عن المشاركة السياسية الجادة، وفقدان الثقة في العمل العام، كما جرى في الوقت نفسه إعادة تعريف مفهوم الشرعية فتحول من الشرعية الانتخابية إلى ما يسمى -زعماً - بشرعية "الاستقرار" مما تسبب في تهميش الإرادة الشعبية لحساب الأمن.
فكرياً؛ أضعف هذا المسار التيار الإصلاحي الوسطي، وعمّق الاستقطاب السياسي والأيديولوجي. وعلى المدى البعيد، أسهم إقصاء الإخوان في هندسة نخبة إعلامية غير مهنية مصبوغة بصبغة مخابراتية، تتحكم في تزييف الوعي وتضليل الرأي العام بما يخدم مصالح السلطة الحاكمة لا المجتمع، واستخدم في ذلك أيضاً الفن والدراما كوسيلة لتشويه الخصوم وإعادة تشكيل الوجدان المصري وفق هوى النظام، وتتمةً لعسكرة الفكر والحياة؛ تحكمت المؤسسة العسكرية في دور العلماء والخطباء والدعاة، وتولت هي تأهيلهم وتوجيههم دونم صلاحية ولا صلة بهذا المجال.
اقتصادياً؛ أنتجت سياسات الإنفاق الشكلية التي ترتب عليها إغراق مصر في الديون نتيجة غياب الشفافية والمساءلة وتم استنزاف موارد الدولة وديونها في مشروعات غير ذي جدوى فعلية، إذ لا تعود على المواطن الذي يعاني من نقص الخدمات والاحتياجات الأولية بفائدة منظورة.
إقليميًا، تراجع دور مصر في محيطها الإقليمي، وانحسر الدعم السياسي والشعبي لقضايا المنطقة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وقد وجّه إقصاء الإسلاميين في مصر ضربة قوية لنموذج الدعم السياسي العربي لحركات المقاومة، كما عزّز حالة الاستقطاب الإقليمي التي استثمرت فيها إسرائيل لتوسيع هامش عملها العسكري. ومع غياب وسطاء سياسيين شعبيين فاعلين داخل مصر – كجماعة الإخوان المسلمين – ضعفت القدرة على تحويل الغضب الشعبي إلى سياسات ضاغطة، فبقي التضامن محدود الأثر. وفي السياق ذاته، تراجعت المساحة الرسمية والشعبية للتضامن مع غزة، إذ أسهم انكماش المجال العام المصري في إضعاف قدرة المجتمع المدني والقوى السياسية على التعبير والضغط، وتحولت فلسطين من قضية تعبئة شعبية إلى ملف أمني يُدار وفق اعتبارات الحدود والاستقرار. كما أدّى تجريم أكبر تيار إسلامي كان يُعد داعمًا تقليديًا للمقاومة الفلسطينية إلى تقليص الغطاء السياسي والإعلامي الذي كانت تحظى به غزة، سواء عبر القنوات الرسمية أو شبكات الدعم الأهلي، وانعكس ذلك في تشديد السياسات المرتبطة بمعبر رفح وتقييد حركة الأفراد والبضائع، ما فاقم الحصار الإنساني على القطاع، خاصة في فترات العدوان.
الخلاصة
تُظهر هذه الورقة أن جماعة الإخوان المسلمين نشأت في سياق تاريخي اتسم بالاستعمار والتفكك السياسي والاضطراب القيمي، وقدّمت مشروعًا إصلاحيًا شاملاً جمع بين الدعوة والتنظيم والعمل المجتمعي والسياسي السلمي. ويبيّن تحليل مسار الجماعة وإقصائها بعد انقلاب 2013 أن تغييب فاعل إسلامي واسع الامتداد لم يُفضِ إلى الاستقرار، بل خلّف كلفة اجتماعية وأخلاقية وسياسية عميقة داخل مصر، وامتد أثره إقليميًا ليُضعف الدور المصري التقليدي في دعم القضية الفلسطينية. وفي هذا السياق، تبدو المساعي الأمريكية لتصنيف الجماعة منظمة إرهابية جزءًا من مقاربة أمنية أوسع لإعادة هندسة المجال العام العربي، وتجريم الفعل الإسلامي المنظم، بما يمنح غطاءً دوليًا لسياسات الإقصاء القائمة، ويعيد تعريف الصراع السياسي بوصفه تهديدًا أمنيًا لا مجالًا للتعددية أو الشراكة المجتمعية.. .
جماعة الإخوان المسلمين في مصر: النشأة، والفكر، والأثر المجتمعي وتحولات الغياب