ليس من السهل أن يحظى قاضٍ بإيجابية من المتقاضين والرأي العام، في بيئة تتشابك فيها المصالح وتكثر فيها الشكوك حول استقلالية القرار القضائي. غير أن القاضي محمدو ولد الشيخ ولد جدو استطاع، عبر مسار مهني هادئ ومتدرج، أن يرسخ لنفسه صورة قاضٍ يدور مع الحق والحقيقة حيث دارا، ويجعل من القانون مرجعيته الوحيدة، دون تباطؤ يرهق العدالة ولا تسرع يخلّ بضماناتها.
عرف الرجل بالاستقامة والنزاهة الصارمة، وبمهنية عالية في إدارة الملفات المعروضة عليه، فكان حضوره في مختلف المرافق القضائية التي عمل بها باعثًا على الطمأنينة، وسببًا في شعور المتخاصمين بالأريحية وهدوء البال. لم يكن مجلسه ساحة للتأثيرات ولا ممرًا للوساطات، بل فضاءً تُستمع فيه الحجج، وتُوزن فيه الوقائع بميزان القانون وحده. ويجمع من تعاملوا معه على أن لا ضغط، ولا علاقة، ولا نفوذ، يمكن أن ينفذ إلى قناعته ما لم يكن مؤيدًا بالنص وروح العدالة.
ومؤخرًا، وجد القاضي نفسه في قلب جدل واسع، بعد صدور حكم قضائي ضد شركة تابعة لرئيس أرباب العمل الموريتانيين، لصالح رئيس منظمة الشفافية. حكمٌ قرأه كثيرون بوصفه تأكيدًا عمليًا على استقلالية القاضي وبعده عن كل ما يتنافى مع أخلاقيات المهنة، خصوصًا في ظل ما يُعرف عن امتلاك أطراف نافذة لوسائل الترغيب والترهيب. ولم يكن غريبًا، تبعًا لذلك، أن تتعزز ثقة الرأي العام في الرجل، وأن يُنظر إلى الحكم باعتباره لبنة جديدة في صرح قضاء مهني يطمح إلى تكريس المساواة أمام القانون.
غير أن قرار تحويل القاضي وإبعاده عن تلك المحكمة الحساسة، في أول اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء، فتح باب التأويل واسعًا. فبينما قد تجد الجهات العليا ما يفسر القرار ويبرره ضمن مقتضيات التسيير القضائي وتوزيع الكفاءات، ربط جزء معتبر من الرأي العام هذا التحويل بالحكم المذكور. وربما كان من الأجدى – في نظر هؤلاء – تأجيل مثل هذا القرار، ترسيخًا لثقة الناس في استقلال القضاء، وقطعًا للطريق أمام أي انطباع قد يوحي بأن التحويل يُستخدم كأداة ضغط غير مباشرة على القضاة.
.
ومهما يكن من أمر، فإن القاضي محمدو ولد الشيخ ولد جدو يحتفظ لنفسه بمكانة معتبرة في وجدان الرأي العام، واحترام واسع اكتسبه بسلوكه المهني الهادئ، وبقناعته الراسخة بأن العدالة لا تُجزّأ، ولا تُهادن، ولا تُؤجَّل بلا موجب. وهي مكانة لا تصنعها المناصب ولا تنتقص منها التحويلات، بقدر ما تصنعها الثقة العامة وسيرة العدل.
وتبقى تجربته، في المحصلة، لبنة مهنية في صرح القضاء الموريتاني، ودعوة مفتوحة إلى ترسيخ استقلالية القاضي، وتعزيز دولة القانون، وصون العدالة من كل ما قد يثقل ميزانها خارج إطار الحق والنص.